ابن العربي

1596

أحكام القرآن

الرابع عشر - قوله « 1 » : وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ . والمراد هاهنا من جملة الأقوال حسن الصوت ، فإن سائرها قد بيناه في موضعه في كتاب الأنبياء من المشكلين . وكان داود عليه السلام ذا صوت حسن ووجه حسن ، وله قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لأبى موسى الأشعري : لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود ، وهي : المسألة الثانية - وفيه دليل على الإعجاب بحسن الصوت ، وقد روى عبد اللّه بن مغفّل ، قال : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو على ناقته - أو جمله - وهي تسير به ، وهو يقرأ سورة الفتح - أو من سورة الفتح - قراءة لينة وهو يرجع ، ويقول آ ، واستحسن كثير من فقهاء الأمصار القراءة بالألحان والترجيع ، وكرهه مالك . وهو جائز لقول أبى موسى للنبي عليه السلام : لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا ، يريد لجعلته لك أنواعا حسانا ، وهو التلحين ، مأخوذ من الثواب المحبر ، وهو المخطّط بالألوان . وقد سمعت تاج القراء ابن لفتة بجامع عمرو يقرأ « 2 » : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ . فكأني ما سمعت الآية قط . وسمعت ابن الرفاء - وكان من القرّاء العظام - يقرأ ، وأنا حاضر بالقرافة : كهيعص ، فكأني ما سمعتها قط . وسمعت بمدينة السلام شيخ القراء البصريين يقرأ في دار بها الملك : وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ ، فكأني ما سمعتها قط حتى بلغ إلى قوله تعالى : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ، فكأنّ الإيوان قد سقط علينا . والقلوب تخشع بالصوت الحسن كما تضع للوجه الحسن ، وما تتأثّر به القلوب في التقوى فهو أعظم في الأجر وأقرب إلى لين القلوب وذهاب القسوة منها « 3 » . وكان ابن الكازروني « 4 » يأوى إلى المسجد الأقصى ، ثم تمتعنا به ثلاث سنوات ، ولقد كان يقرأ في مهد عيسى فيسمع من الطّور ، فلا يقدر أحد أن يصنع شيئا طول قراءته إلا الاستماع « 5 » إليه .

--> ( 1 ) سورة النمل ، آية 16 . ( 2 ) سورة الإسراء ، آية 79 . ( 3 ) في ا : منه . ( 4 ) في م ، ش : الكازونى والمثبت في ا ، واللباب . ( 5 ) في ش : الإصغاء .